عبد الكريم الخطيب
1294
التفسير القرآنى للقرآن
هو مثل آخر ، تشبه به أعمال الكافرين ، بعد أن شبهت بالسراب . والفرق بين المثلين ، أن السّراب صورة تمثيلية لما يراه الكافرون في أعمالهم وهم في الحياة الدنيا ، حيث يرونها في صورة حسنة معجبة . . وهي في حقيقتها سراب يخدعهم ، ويدفع بهم في طريق الغواية والضلال ، حتى تخمد أنفاسهم ، ويسلمهم هذا السراب إلى القبر ، وما وراء القبر من حساب ، وعقاب . . واللّه سبحانه وتعالى يقول : « أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً » . ( 8 : فاطر ) وهنا في هذا المثل ، تطلع عليهم أعمالهم هذه في الدار الآخرة ، حيث يلتمسونها ، فيجدون أنهم غارقون في ظلام مطبق ، لا يرى فيه أحدهم يده ، إذا أخرجها من كمّه ، وعرضها لعينيه . . فكيف يرى هذه الأعمال ، التي كان يظنها أعمالا مبرورة محمودة ؟ إنها قد استحالت إلى قطعة من الظلمات ، في كيان هذه الظلمات . . فليقتطع لنفسه قطعة من هذا الظلام إن أراد ، وإن استطاع ! « أَوْ كَظُلُماتٍ » كظلمات لا ظلمة واحدة ، بل طبقات بعضها فوق بعض من مادة الظلام « فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ » أي متلاطم الموج ، حيث يتعالى الموج ، ويركب بعضه بعضا ، فإذا سواده الكثيف يلتقى مع هذه الظلمات المطبقة على هذا البحر اللجىّ « يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ » أي يغطى هذا البحر موج ، وفوق الموج ، موج ، وفوق الموج ، سحاب ، هو موج فوق موج . . وهو « ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ » . . وأنّى لمن تركبه هذه الظلمات أن يعرف طريقا إلى النجاة والخلاص ؟ إنه لا يكاد يرى يده التي يمدّها إلى حبل النجاة إن كان هناك حبل ! إن هذا الظلام يكاد ينعقد عليه ، ويلبسه من قمة رأسه